شهادةالمهندس / صلاح حجاب

مئوية حسن فتحي و عمارة الفقراء

في الثالث العشرين من مارس 2000 احتفلت الجامعة الأمريكية بالقاهرة مع مجموعة محدودة من المثقفين و المعماريين المصريين و غير المصريين ممن عرفوا و عملوا مع حسن فتحي بالعيد المئوي لميلاد هذا المعماري المصري العالمي و قد بدأ الاحتفال بافتتاح مقتنيات و رسومات حسن فتحي بمكتبة الأعمال النادرة بالجامعة و التي حصلت عليها بعد أن أهدتها أسرته إلى منظمة أغاخان للعمارة الإسلامية و التي أودعتها بالتالي لدي الجامعة الأمريكية بالقاهرة و التي حصلت علي منحة من مؤسسة أمريكية لترميمها و حفظها

و قد وصل صيت حسن فتحي للعالمية من خلال الإيمان العميق بالمحلية دون تغيب عن ما هو العالم من حولنا. نفس الإيمان الذي أوصل صاحب نوبل الأديب الكبير نجيب محفوظ إلى العالمية لأن الأغراق في المحلية هو الطريق إلى العالمية

و حسن فتحي معماري مصري نشأ من أسرة مصرية يمتاز أعضاؤها بالثقافة و الفن و الهندسة و درس العمارة و درسها بكلية الفنون الجميلة بالقاهرة و كان لي الحظ أن عرفت الراحل العظيم في نهاية الخمسينات من القرن الماضي و صاحبته في أكتوبر 1962 لمدة ثلاثة أسا بيع في رحلة فوق نيل مصر جنوب خزان أسوان قبل الانتهاء من بناء السد العالي عندما كلفته وزارة الثقافة بتصميم معهد للفنون الشعبية بحديقة الحرية بالجزيرة بالقاهرة

و كانت زيارتنا للمكان قبل بداية تنفيذ المشروع العالمي لإنقاذ معبد أبو سمبل و ضمن مهمة معمارية لرفع نماذج من عمارة النوبة القديمة قبل ان تغرقها مياه السد العالي لتشكل شارع النوبة ضمن المشروع الحضاري الذي كلف به في ذلك الوقت الراحل حسن فتحي بان يصمم في حديقة الحرية متحف ومركزا مفتوحا للتراث الشعبي من عمارة و فنون حيث كان يضم المشروع شارعا لكل إقليم له ملامح يعبر فيه عن عمارته و ملابسه و فنونه و تلتقي هذه الشوارع في مركز ثقافي إعلامي

و ضمت القافلة التي قادها حسن فتحي المصور الفوتوغرافي الراحل الأستاذ عبد الفتاح عيد و الفنان التشكيلي الراحل عبد الغني أبو العنين أحد أعمدة دار روزاليوسف و صباح الخير في ذلك الوقت و مؤسس و مصمم ديكورات و ملابس كل فرق الفنون الشعبية بعد ذلك و المعماري شكري توفيق نان (أستاذ التصميم العمراني بجامعة تورونتو بكندا حاليا) و أنا

و كانت جلسات النقاش مع حسن فتحي كل يوم ثرية في كل ما يثار فيها من عمارة و فنون تعلمت فيها الكثير و علمت فيها العالم المثقف الموسوعي حسن فتحي الذي ظن كثيرون بعد ذلك انه كمعماري كان لا يؤمن إلا بعمارة الطين و لا يؤمن بفراغات إلا فراغات القباب و القبوات

و للتاريخ أقول إن فلسفة الرجل تتلخص في إننا يجب أن ندرس واقعنا و نستثمر كل موارد هذا الواقع الاستثمار الأمثل المتكامل المتواصل في تشكيل عمارتنا قبل أن نلجأ إلى استيراد مواد أو أساليب بناء من خارج هذا الواقع و علينا أن نأخذ بأسباب و تقنيات التقدم و الحضارة بعد أن نهضمها و نختار منها المناسب لنا دون هدم لقيمنا أو مجتمعنا و سمي هذه التقنيات التي يلزم أن نأخذ بها التكنولوجيا المتوافقة

و من الأمانة أن أقول إن ما أخذناه عن عمارة حسن فتحي كان المظهر الخارجي و الشكل دون المضمون حتى تحول ما بناه حسن فتحي كعمارة للفقراء ليكون عمارة لبعض الأغنياء و في تصوري لاستمرارية فلسفة حسن فتحي فيمكن أن تكون من خلال معهد أو مركز للتكنولوجيا المتوافقة في جامعة من جامعاتنا يرعي دراسة تراث مصر و كيفية تواصله باستخدام كل ما لا يمحو أصالة هذا التراث من التكنولوجيات المتوافقة مع واقعنا المعاصر من اجل عمران افضل

وعندما كنت في تركيا لحضور مؤتمر لمعماري البحر المتوسط أهدي الي المعماريين القبارصة كتابا عن 12مسكنا تقليديا في قبرص طبع في عام 1995 وضعوا في التصدير له مقولة لحسن فتحي من كتاب له بعنوان "عملية إتخاذ القرار" تؤكد ان لكل ثقافة جذور تتصاعد من ارضها ليعم خيرها الارض و الهواء . و قد اشتمل الكتاب علي نماذج تؤكد استخدام الخامات المحلية و اساليب الانشاء المحلية في تكوين الفراغات المناسبة لوظيفة المكان و عادات و قيم السكان . و تحدث معي الزميل المعماري القبرصي متسائلا لماذا يحارب البعض في مصر فلسفة و اسلوب حسن فتحي في البناء ؟ و كان لابدان اوضح له و بصراحة اننا في مصر لا نحارب فلسفة و اسلوب حسن فتحي بل علي العكس كثيرون استفادوا من "بيع" افكار و فلسفة حسن فتحي بصورة او بأخري .. و لكن الحقيقية اننا اهملنا علي المستوي الاكاديمي تدريس حسن فتحي كظاهرة و فلسفة معمارية و علي المستوي الثقافي لم نعرض اهداف و مذهب حسن فتحي العرض السليم حتي ظن البعض ان كل ما كان يستهدفه الراحل العظيم البناء بالطين .. و السؤال هو ماذا فعلنا من اجل هذا الرجل؟ و لم اجد سوي مؤتمر عقده مركز الدراسات المعمارية و التخطيطية - أ.د. عبد الباقي إبراهيم - و جهد مشكور قامت به الجامعة الامريكية بالقاهرة في محاولة لجمع تراث الراحل الكبير و العتاب هنا للمعماريين المصريين بكل تنظيماتهم و للأكاديميين في جامعاتنا و خاصة كلية الفنون الجميلة التي كان حسن فتحي أحد أساتذتها



العمارة و الفنون

و عندما ذهبت إلى مدينة برشلونة بإسبانيا لحضور المؤتمر الدولي للمعماريين بهرني في المدينة جمال الشارع و تأسيسه و بهرني ما تعيشه مدينة برشلونة سياحيا علي حساب أعمال مبدعيها و علي رأسهم المعماري انطونيو جاودي الذي توفي عام 1928 و برشلونة لمن لا يعرفها هي مدينة جاودي و بيكاسو و ماتيس و سلفادور دالي و انطونيو جاودي لمن لا يعرفه معماري يجمع بين الإبداع المعماري و التشكيل يغوص في أعماق الحياة ليستخرج و يستنبط أشكالا فراغية إبداعية تظل عنوانا دائما لإمكانية إبداع المعماري و استمرارية استشعار جمال إبداعه

الوفود السياحية لا تنقطع في زيارة دائمة لكنيسة العائلة المقدسة التي أبدع تصميماتها و التي ما زال آخرون يستكملون تنفيذها و ينظر الجميع إليها كمعلم معماري أساسي لمدينة برشلونة و لا تنقطع الزيارات لعمارتين من عمارات جاودي تحمل كل منهما عناصر نحتية في كل مفرداتها تؤكد الأداء اليدوي و إبداع يد الإنسان

في زيارتي لتلك المعالم تذكرت أستاذنا المعماري الراحل حسن فتحي و عمارته الإبداعية في قرية القرنة و هي من اجمل النماذج المعمارية لمعماري مصري حاول أن يستخدم مواد البناء و أساليب البناء المحلية الاستخدام الأفضل و كان من الممكن أن تكون مزارا علميا يتعلم منه المعماريون و الباحثون منهاج البحث و التصميم و مفرداته و أن تكون في نفس الوقت مزارا سياحيا فتكون ضمن البرامج السياحية زيارة عمارة حسن فتحي في القرنة و رمسيس ويصا واصف في الحرانية كما تزور الوفود عمارة جاودي في برشلونة

في إحدى الندوات المعمارية التي نظمتها لجنة العمارة بالمجلس الأعلى للثقافة ذكر أحد الضيوف المصريين الذي يعمل أستاذا للحضارات في إحدى الجامعات الأمريكية أن مصر و عمارتها منذ 5000 عام كان بها تزاوج للعمارة و الفنون التشكيلية بجميع أنواعها و انه إذا لم يكن الحال كذلك الآن فمعني ذلك إننا متخلفون عما كنا عليه منذ 5000 عام

هنا أحب أن أذكر إن إحدى الجوائز المالية التي تسلمها حسن فتحي قام بتوزيعها علي المعلم البناء وصبيانه الذين علموه طريقة البناء بالقباب و القبوات عندما ذهب لإنشاء قرية القرنة

كان حسن فتحي واحد من جيل الرواد المعماريين المصريين الذين آمنوا بتكامل العمارة مع الفنون و معه المعماري الرائد رمسيس ويصا واصف (1911-1974) وقد كان من أسرة تشتعل بالوطنية و تشجع الفنانين فوالده هو الذي رعي المثال محمود مختار . و قد درس العمارة في الفنون الجميلة بباريس و شارك مع حسن فتحي في وضع مناهج قسم عمارة في كلية الفنون الجميلة بالقاهرة التي كان أستاذا للعمارة بها

و بعد زيارته للنوبة في الأربعينات و تأثره بعمارتها بدأ العمل مع الحرفيين في إنشاء مدرسة في مصر القديمة طور خلالها أعمال الحرفيين و خاصة في أعمال الزجاج و الجبس ثم بدأ في عام 1945 بإنشاء مركز الفنون الحرفية بالحرانية الذي يعد اشهر أعماله إضافة إلى متحف مختار بحديقة الحرية بالجزيرة و كنيسة العذراء بالزمالك و كنيسة مارجرجس بمصر القديمة و مجموعة مباني لفنانين بالحرانية و مدرستي الليسيه بباب اللوق و مصر الجديدة و متحف حبيب جو رجي

أيضا واحد من جيل الرواد الذي آمن برسالة البناء للفقراء هو الأستاذ الجليل في الهندسة الإنشائية الأستاذ الدكتور عبد العزيز العروسي الذي علم الأجيال ممن لمعوا في هذا المجال و ظل هو خارج دائرة الضوء سعيدا راضيا بعد أن حاول منذ اكثر من ثلاثين عاما أن يطبق أبحاثا حاولها بمفرده و باجتهاده لاستنباط أشكال جديدة لبعض العناصر الإنشائية من البيئة المحلية كما حاول الراحل حسن فتحي فاجري أبحاث عن طوبة و قواطيع السرسانا (قشر الأرز) التي حاول أن يسهم بها في تنمية و ترقية المباني الريفية و لم يجد الصدى الذي توقعه في حينه فاثر أن يظل أستاذا يعلم الأجيال الأصول الهندسية في جامعة عين شمس التي كان أستاذا بها منذ إنشائها في أوائل الخمسينات . و لا زلت اذكر مقولته عندما كان يدرس لطلاب السنة الثالثة قسم عمارة مادة الخرسانةالمسلحة إن علي المعماري أن يبدع و يحلم في تشكيلاته المعمارية و لا يتصور أن من غير الممكن إنشائيا أن يتحقق كل ما يحاول إبداعه فلكل قضية معمارية حلولها الإنشائية"

و كان نعيه في جريدة الأهرام الذي أوصى به يقول "انه رجع إلى ربه راضيا مرضيا و العزاء كوصيته قاصر علي التبرع للفقراء" و لا عنوان برقي و لا ابن مين و لا والد مين و لم نجد حتى نعيا من الجامعة التي بدأ معها

فكرة طوبة و قواطيع السرسانا لو كنا طبقناها لما عانت القاهرة من التلوث الحاد من حرق المخلفات الزراعية ومن المفارقات انه في نهاية عام 2004 جاء إلى مصر خبير صيني ليبيع لنا فكرة طوبة و قواطيع السرسانا

لقد كان حقا جيل من الرواد العظماء